التعامل الكردي العربي بين الواقع والطموح

محمد توفيق علاوي

 

(لقد نقلت موضوعاً عن الأخ لؤي الخطيب بشأن اجراءات البنك المركزي تجاه كردستان فجاءتني تعليقات كثيرة ومتباينة، ولذا فإني اوجه تعليقي للمتشنجين من الفريقين الكرد والعرب)

 

 يجب على العراقي العربي ان يضع نفسه في موقع الكردي العراقي، كما يجب على الكردي العراقي ان يضع نفسه في موضع العراقي العربي؛ النزعة الكردية الانفصالية برزت بعد الحرب العامة الاولى حيث طغت الانفاس القومية على غيرها من التوجهات في كافة بقاع الارض، وبرزت مشاعر القومية العربية بأعمق اشكالها حتى قبل الحرب العالمية الاولى ، مشكلة المشاعر القومية انها لا تتبنى مبادئ ولا تحمل فكر ومنهج فيستطيع الحاكم ان يؤججها من دون ان يحقق العدل والخير والنفع والإنصاف لأبناء قوميته؛ واكبر دليل على ذلك هو ما فعله هتلر بألمانيا، لقد كان هتلر يحب ابناء قومه ويحب المانيا، ولكن لا يكفي الحب من دون قيم ومبادئ عادلة ومنصفة، لقد اجج هتلر مشاعر القومية الالمانية وقاتل العالم لإعلاء شأن المانيا والقومية الالمانية، وفي النهاية دمرت المانيا خلال الحرب العالمية الثانية بسبب إفتقاده لمبدأ العدالة على مستوى الانسان وبسبب طموحاته الشخصية في الحكم على حساب مصلحة بلده، فالفكر القومي لا يحمل او يتبنى اي قيم او مبادئ او منهج للحكم.

يمكننا القول إن العرب قد نضجوا في مرحلة اكثر تقدماً في تعاملهم مع المشاعر القومية بسبب ما مروا به من تجارب ومعاناة، فعندما خسر عبد الناصر حربه في اليمن وخسر حرب ٦٧، وعندما اُستُعبِد الناس في زمن النظام القومي العربي البعثي في العراق وسوريا، وكفر الناس بالقومية العربية، لأن البعث في العراق حكم باسم القومية، ودُمِر العراق خلال فترة الحكم القومي البعثي. لقد نضجت اوربا وعرفت مخاطر الشعارات القومية الشوفينية خلال الحرب العالمية الثانية، لذلك تركت اوربا اعادة رسم الحدود بينها على اسس قومية، بل توحدت اوربا اليوم بقومياتها المختلفة، لقد تنقلت بالسيارة بين مختلف الدول الاوربية، فعندما ادخل من فرنسا الى بلجيكا لا أرى نقاط حدود ولكن يستمر نفس الشارع ويقرأ السائق قطعة على جانب الطريق تقول له إنك دخلت بلجيكا فعليك الالتزام بالسرعة القصوى حسب القانون البلجيكي وليس الفرنسي.

لا تعتبوا على الكرد فانهم يعيشون فترة  الشعارات القومية كما كان يعيشها الجيل العربي السابق خلال فترة العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦، ولو كان مقدراً لدولة مهاباد الكردية ان تبقى منذ اربعينات القرن الماضي لعل الكرد وجدوا أنفسهم يكفرون بالقومية الكردية، لأنه لا يوجد للقومية مبادئ وقيم ومناهج، فلا يوجد ما يمنع تلك الدولة من ان تحكم من قبل نظام دكتاتوري ظالم في ذلك الوقت او بعده يفعل بهم ما فعله صدام بالعراق، فالمفاهيم والقيم الديمقراطية بشكل عام كانت ولا زالت مفقودة في عقلية اغلب القاطنين في دول المنطقة، وقد نحتاج عدة عقود من الزمن لإنضاج  هذه القيم والمفاهيم والمرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتقييمنا للإنسان واحترامه واحترام خصوصياته وفكره وحرياته الشخصية، ولا زالت للأسف الشديد هذه القيم مفقودة في العراق بجزئيه العربي والكردي.

لا أستطيع ان اعتب على الكرد في تطلعاتهم القومية التي ناضلوا وبذلوا من اجلها الكثير، وعمليات الانفال ومجزرة حلبجة شاهدة على مواجهة تطلعاتهم القومية من قبل نظام قومي عربي يعطي لنفسه الحق رفع الشعار القومي العربي ويمنع المقابل من رفع شعار قوميته بشكل مماثل.

لذلك فإني اختلف مع بعض المعلقين الذين يقولون يجب معاقبة الشعب الكردي العراقي بسبب مشاركته في الاستفتاء.

من المعلوم إن حق تقرير المصير هو حق طبيعي أقرته الشرائع الدولية ولكني قد اختلف مع الكرد في دعوتهم لإنشاء كيان دولة كردية مستقلة في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ المنطقة، لان هناك مخططاً اسرائيلياً لتقسيم المنطقة الى دويلات قائمة على اسس طائفية وعرقية ومتصارعة فيما بينها، والذي يؤكد هذه الحقيقة انه لا توجد دولة ايدت قيام الدولة الكردية غير إسرائيل، هل كان هذا التأييد حباً بالكرد؟ الجواب: كلا، بل هذا التأييد هو بهدف إنشاء دولة كردية تدخل في صراع وحروب مع العراق العربي ومع إيران ومع تركيا ومع سوريا لتحقيق الاهداف الاسرائيلية في ايجاد بؤر توتر ونزاع ضمن دول المنطقة كمقدمة لتقسيم المنطقة وبالتالي تحقيق هدفهم البعيد وهو احاطة اسرائيل بدويلات قائمة على اسس طائفية وعرقية.

لقد عرف الساسة الكرد انهم اخطؤا في حساباتهم بشأن الاستفتاء وقد ندموا على فعلهم؛ إن أكبر خطأ يرتكبه العرب هو ابداء مشاعر التشفي من الشعب الكردي في الاحداث الاخيرة. يجب ان نكون بموقع المسؤولية وأن نمد ايدينا إلى الشعب الكردي، فخلافنا ليس معهم، بل مع من اجج فيهم المشاعر القومية الشوفينية فاوصلوهم الى هذا الحال، فيمكن مواجهة مخططات هؤلاء، ولكن ليس الشعب الكردي؛ إن عاملنا الكرد كشعب معاملةً سيئة فسيزدادوا ابتعاداً عنا وسيزدادوا تمسكاً بمن يثير فيهم النزعات القومية الشوفينية، وسنكون عوناً لإسرائيل في تحقيق ما يبتغوه من تعميق الصراعات بين ابناء ودول المنطقة.

يجب ان يكون منهجنا هو منهج رسول الله (ص) في دفع السيئة بالحسنة، حينما دخل فاتحاً إلى مكة فأمر علياً (ع) ان يرفع شعار ( اليوم يوم المرحمة، اليوم تجزى الحرمة )، هذا كان مع اعدائه المشركين فكيف نحن والكرد ابناء بلد واحد ولنا تاريخ مشترك واحد، عانينا كلنا من ظلم صدام، واحتضننا الكرد في مناطقهم فترة نضالنا ضد إجرام صدام، ولا يمكنني ان انسى هذه المواقف الاخوية في تلك الفترات العصيبة من تاريخ العراق،  يجب ان نمد ايدينا إلى الكرد وإن أخطأ البعض في تصرفاتهم ومعاملتهم للعرب وتأييدهم لإسرائيل التي ارادت إستغلالهم لمآربها، وتخلت عنهم؛ فهم اخوتنا ونحن ابناء بلد واحد، ومستقبلنا واحد؛ وإن كان إجراء البنك المركزي يضر بالمواطن الكردي فإني اضم صوتي إلى صوت اخي لؤي الخطيب في ايقاف هذا الإجراء. لنعيش اخوةً متحابين ابناء وطن واحد…….

تعليق واحد

  1. “أسطورة وحدة الأكراد: كركوك وسنجار- نقاط الانقسام المحلي” تحت هذا العنوان كتب المؤرخ والصحفي الروسي أنطون إيفستراتوف في “أوراسيا ديلي” مفندا أسباب ضعف المشروع الكردي.

    وجاء في المقال، المنشور في العدد الصادر أمس الاثنين، أن “الاستفتاء الذي أجري مؤخرا حول استقلال كردستان العراق، وتكثيف نضال الأكراد في تركيا وسوريا، بعد سنوات من الصمت، قام بإعادة إحياء طرح مسألة “دولة كردية واحدة” في الإعلام العالمي…والحقيقة هي أن الدولة الكردية تاريخيا لم تكن موجودة”.

    وأضاف إيفستراتوف: ” النزعة القومية الكردية، تشكلت، على هذا النحو، تنظيميا فقط في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما ظهر في بيئة ثقافية كردية صغيرة من الإمبراطورية العثمانية “حزب الاتحاد والتقدم”.

    “وكمثال على دولة الأكراد الأتراك، يمكن الحديث عن جمهورية أرارات الكردية (تقع في شرق تركيا الحديثة على أراضي مقاطعة أغرا الحالية). ومع ذلك، فإنها، أولا، استمرت فقط حوالي 3 سنوات (1927-1930)، وثانيا، لا يمكن أن تمثل “الشعب الكردي” بأكمله، لأنها لم تشمل حتى أكبر الأراضي التي يقطنها الأكراد الأتراك “.

    وتابع إيفستراتوف:” والأكراد الإيرانيون، لم يكن لديهم أي فكرة عن “وحدة الشعب الكردي”. وهم يختلفون عن الأكراد الأتراك لغويا (يتكلمون السوراني وليس الكورمانجي)، والحزب الديمقراطي الكردستاني ظهر هناك فقط في العام 1945، مدعوما من المخابرات السوفييتية التي كانت تسعى إلى إنشاء جمهورية سوفيتية جديدة مع احتمال انضمامها إلى الاتحاد السوفييتي”.

    وهكذا- يكمل إيفستراتوف قراءته للوضع الكردي- فيقول:” إذا عدنا إلى الاستفتاء العراقي الكردستاني، الذي جرى بمبادرة من الحزب الحاكم في منطقة الحكم الذاتي، فهناك صراع بين حزب مسعود بارزاني الديمقراطي الكردستاني وحزب العمال الكردستاني التركي (PKK)، وهناك حكومة روج آفا السورية (كردستان سوريا) والأحزاب الإيرانية الكردية، وبالتالي فهو (الحزب الحاكم) ليس بأي حال من الأحوال القوة السياسية الوحيدة في كردستان العراق نفسها. أضف إلى ذلك، فإن هناك قوى يسارية، مثل الاتحاد الوطني الكردستاني (مقره في السليمانية) وحزب “غوران” ( “الحركة من أجل التغيير”)، والذي لديه ثاني أكبر كتلة في البرلمان الكردي”.

    وعلى الصعيد العسكري، يقول كاتب المقال: “من الجدير بالذكر بوجه عام أن جميع الإخفاقات العسكرية والسياسية للأكراد في العراق لا ترتبط بأي حال من الأحوال بالقدرة القتالية للبيشمركة أو القوات المسلحة العراقية. فـ”كردستان”، ببساطة غير قادر على فعل أي شيء كاف لحماية سلامته الإقليمية داخل حدود الاستفتاء الذي عقد. وقد أظهرت لنا كركوك وسنجار أمثلة على انقسام حتى “كردستان العراق” على عدة خطوط في آن- عرقية وسياسية، الانقسام الذي لم يكن ممكنا إلا أن يؤثر في الوضع العسكري”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مازالت ليلى في العراق مريضة

علي علي