الوطن.. كيف يراه ساستنا؟

علي علي

 

 

    الاتهامات والتنابز بالألقاب والتقاذف بالـ (مداسات) والتسقيط السياسي والمهني والشخصي، باتت جميعها السلاح الفعال في ساحة سياسيي وطننا وأعضاء كتلنا ورؤسائها، إذ هي أقرب وسيلة يستخدمونها في كل محفل ومقام ومقال، وهم لايتوانون عن تحديث مفرداتهم وأدواتهم بما يتطلب له الموقف، فإن كان سياسيا فهم يتنابزون بألقاب أحزاب بعضهم البعض، ويتقاذفون فيما بينهم بماضي هذا الحزب او ذاك التنظيم، وينشر كل منهم غسيل الآخر على حبال تطول حينا وتقصر أحيانا، وفق مصلحة او مأرب او غاية مرسومة ومدروسة. أما إن كان الموقف قوميا، فهم يستخدمون الـ (Update) بحنكة عالية، فيعيدون صياغة مصطلحات؛ الناصري واليميني واليساري والشرقي والغربي حسب مقتضيات اللحظة. أما الطامة الكبرى فهي حين يستدعي الموقف التمظهر بالمظاهر الوطنية، فهو عند أغلب ساستنا (عيد وجابه العباس).. ذلك أن أغلبهم تدفعه الأنا والأنانية الى التظاهر بحب الوطن، والتلون “وطنيا” بمهارة تفوق الحرباء أداءً واتقانا، وأظنهم المقصودين ببيت الشعر:

           لاخير في ود امرئ متلون

   إذا الريح مالت مال حيث تميل

وقطعا هم لايفقهون عن ثوابت القيم والمبادئ الوطنية شيئا سوى الربح المادي، فالوطن عندهم يمثل (مول) او (Supermarket)  يتبضعون فيه ماخف وزنه وغلا ثمنه، وهم في حال بقائهم داخل الوطن منتفعون، وفي حال هجره الى أحضان بلدان أخرى تنتظرهم منتفعون أيضا. ولافرق عندهم إن زها وطنهم وارتقى من بلد فقير الى نامٍ ثم متطور، او تدهور حاله وتقهقر من نامٍ الى فقير الى وطن مندرس في غياهب التاريخ وصار نسيا منسيا، فمفردة الوطن لاتشكل في مفاهيمهم شيئا يذكر، فيما تشكل لدى كل المخلوقات والكائنات الحية رمزا كبيرا وإن كان غريزيا..!

  هي معلومة عن مفردة الوطن أود ذكرها ثانية في منبري هذا، ولن أتهاون في ذكرها ثالثة ورابعة وعاشرة، لعلها تقع بين يدي ساستنا المتصارعين على كراسي الوطن في عراقنا الجديد.. والمتنافسين تحت قبب مجالسه، دونما إيلاء أهمية تنم عن وطنيتهم، ضاربين الوطن والمواطن والوطنية عرض الحائط.. فمفردة الوطن لها من الأهمية لدى أجناس الحيوانات والحشرات مايُخجل السوي منا نحن البشر، وفي لغتنا العربية مسميات خاصة لوطن كل جنس من الكائنات الحية، سأسرد بعضها في سطور داعيا كل متقلد منصبا في وطننا للاطلاع عليها، لعلهم يتفكرون او يعقلون او يرعوون..!

  إن مفردة الوطن تستخدم للإنسان، والعطن للبعير، والعرين للأسد، كذلك باقي الأنواع فيقال: وجار الذئب والضبع، وكناس الظبي، وعش الطائر، وقرية النمل، وكور الزنابير، ونافقاء اليربوع. والطيور هي الاخرى شديدة الالتصاق بوطنها، ولكل صنف منها اسم لموطنه، حيث يطلق على ما يضعه الطائر على الشجر: وكر، فإن كان على جبل أو جدار فهو: وكن، وإذا كان في كِن فهو: عـِش، وإذا كان على وجه الأرض فهو: أفحوص.

 وتحصيل حاصل، فالوطن صغر أم كبر، مرعىً كان أم ارضا جرداء، جبلا أم واديا، روضة من رياض الجنة أم حفرة من حفر النار، فهو وطن نحنّ اليه ونذود عنه ونلوذ به، في حلنا وترحالنا، ونشتاق اليه شوقا حد المرض حتى أطلق على المتشوق لوطنه مصطلح (Home sick) وقد قالها أحمد شوقي:

       وطني لو شغلت بالخلد عنه

نازعتني إليه بالخلد نفسي

 فالعجب كل العجب..! لمن يملك جنسية لاينتمي اليها بدمه وروحه وجميع جوارحه، والأسف كل الأسف أن يكون في بلد مثل العراق أناس يرون ان أصغر الحيوانات تستميت من أجل موطنها، وهم يعتبرون الوطن محطة أو (كشك) او دار استراحة.

 

 

تعليق واحد

  1. محمد ضياء عيسى العقابي

    نوايا المقال طيبة ولكنه يجرح الوطن بل يمزقه بسبب شبك الأمور وخلط “العامي بالشامي” وتشويش الرؤيا؛ وهذه خدمة جلّى يقدمها للمسيئين بعضُ الكتاب العراقيين سواءً عن جهل برئ أو عن خبث تقف وراءه مصلحة غير النظيفة. إنهم يخلطون بين من تتماشى مصالحه، وهي نظيفة، مع الديمقراطية وبين من تتصادم مصالحه، وهي غير نظيفة، مع الديمقراطية فيسعى الى عرقلة مسيرتها و منع بناء مؤسساتها أملاً في تهشيمها وصولاً إلى إستعادة سلطته الطغموية* التي فقدها رغم أنفه لصالح صناديق الإقتراع.

    فلنكن صريحين وشجعاناً ونعترف أن من مارس القتل عبر وسائله المتنوعة ومنها التفخيخ، أو من إختط لنفسه نهج التعاون مع القتلة الإرهابيين (الذين، بدورهم، لم ينزلوا من السماء ولم ينبعوا من تحت “طقاطيق الأرض”) أو التستر عليهم أو التعاون معهم على جميع الصعد العملياتية والسياسية والإجتماعية أو من إختار لنفسه حليفاً خارجياً له مصلحة في وأد الديمقراطية العراقية الوليدة – هو عدو الديمقراطية وعدو الوطن بالمعيار الموضوعي للوطنية لا بمعيار الإدعاء والديماغوجية.

    لا يمكننا إصلاح الوضع دون تشخيص الخلل والعلة، ومن ثم طرحُ الحلول من جانب المواطنين كل حسب إجتهاده لتتلاقح الإجتهادات وفي المطاف الأخير لا يصح إلا الصحيح. وهذا هو الأسلوب العلمي القويم في إصلاح الأوضاع وتطويرها ودفعها نحو الأمام. وهو أسلوب مضاد لإسلوب التسقيط والتصفير.

    أنا مدرك أن إستخدام الإرهاب كوسيلة “نضالية” يرمي الى تحقيق هدفين هما: التخريب ونحن في طور إعادة البناء؛ وإكراه الطيبين على الصمت أو الإبتعاد عن الموضوعية في تناول مواضيع أساسية وعلى رأسها الديمقراطية والموقف منها وكونها المعيار الأساسي للوطنية إذ لا وطنية حقيقية دون ديمقراطية حقيقية، علماً أن:
    الديمقراطية العراقية هي ديمقراطية وليدة وفيها كثير من معايير الديمقراطية الحقيقية، وعلى المثقفين دعمها وتقويمها عبر النقد البناء المستديم بغض النظر عمن يقود السلطة مادام منتخباً من الشعب سواءً كان حزباً ديمقراطياً مسيحياً كما في ألمانيا أو حزباً محافظاً علمانياً كما في بريطانيا.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (*) : للإطلاع على تفاصيل “الطغموية والطغمويون وجذور وواقع المسألة العراقية”، برجاء مراجعة هامش الحلقة الأولى من المقال المنشور على أحد الروابط التالية:
    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=575611
    http://www.qanon302.net/?p=97120
    http://www.akhbaar.org/home/2017/10/235247.html
    http://saymar.org/2017/10/39773.html
    http://www.alnoor.se/article.asp?id=328403

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مازالت ليلى في العراق مريضة

علي علي