قراءة في كتاب (بعث العراق) للأستاذ طالب الحسن (الحلقة 3)

محمد قاسم الصالحي

أن أبلغ دلالة حملها كتاب (بعث العراق من البداية المريبة حتى النهاية الغريبة) للسيد المؤلف طالب الحسن، الطبعة الثانية 2012، بيروت دار أور للطباعة والنشر، هي أن بعث العراق كان قد إعتمد تزييف الحقائق والإستهلاك الفكري للآخر، منها ما تعلق بحقيقة النشأة والتأسيس، وأخرى تتعلق بما آل اليه من سقوط مدوِّ عام 2003. وجرى ما بين هذا وذاك، على أيدي شخصيات هجينة كانت تتماهى في ذلك الزيف وإستغفال الشعوب مع المؤامرات الإستعمارية التي كانت تُحاك ضد العراق وسوريا بشكل خاص والمنطقة العربية عموما. فأن التشدق بالشعارات القومية والوحدة ليست سوى عقيدة جوفاء ألهى بها البعث الشعبَ العربي ردحا من الزمن، لم يكن يؤمن بها حتى من إدعى صناعة تلك العقيدة أو بالأحرى من تولى فبركتها، حيث كان ترويجا لبضاعة لم يتعاطوها، الى أن حان موسم سقوطهم معها الى الحضيض، حينما فقدوا مصداقيتهم لدى الجماهير العراقية والعربية نتيجة ممارسات العنف والإرهاب الفكري وغزو الجوار، والتصفيات الجسدية، التي أوجدت مسافة شاسعة بين الشعار والواقع، وخلقت هوة عميقة بين النظرية (المختطفة من الأرسوزي) و(التطبيق العفلقي المغرض والهزيل) الذي إتسم به أداءه والقادة المراهقين من حوله آنذاك، ليكون حزب البعث بمثابة ساحة مفتوحة لصراع الأهواء والطموحات الشخصية والتكتلات والإنقسامات التي سرعان ما إصطدمت بـ (القيم) المفترضة والأهداف والشعارات المرفوعة في ميدان العمل الحزبي، فقد استفحل الصراع ليتجرد من سلميته ويتحول الى ظاهرة دموية خطيرة بمرور الزمن، ومما زاد في حدة الصراع على البقاء في الواجهة للوصول الى السلطة تلك المبالغة الفجة والمغالاة الصرفة التي تمثلت في الإلتصاق الأعمى بالآيوديولوجية العربية من قبل الدخلاء عليها من القوميات الأخرى.


ثالثة الأثافي، فؤاد الركابي إنموذجاً

من الأمور التي إعتمد عليها المطبخ السياسي لبعث العراق في إشغال الجماهير العربية وتطويعها لأهدافه المشبوهة، هي سياسة (ثالثة الأثافي) والأثافي هي الأحجار الثلاثة التي توضع عليها القدر فوق الموقد، ويعني السيد الكاتب بهؤلاء الشخصيات المستعربة الوافدة من أعراق أخرى غير العربية التي أسهمت في تكوين البعث وسعت جاهدة لأدلجة القومية العربية وطرحها كمعتقد يدين به أبناؤها، وكما هو معلوم بأن ثالثة الأثافي هي (الأعظم مصيبة والأكثر شرا)، وفي ذلك يقول الكاتب السيد طالب الحسن: (” إنه من خلال متابعة دقيقة لحركة الأفراد والأحداث والأفكار في الراهن المعاصر، برز واضحا إن أكثر القوميين تشددا وإندفاعا للقومية العربية هم الملتحقون بها من قوميات أخرى، كردية وفارسية وتركية وشركسية وغيرها، وهذه المغالاة عند هؤلاء تسمى في علم النفس بـ (التعويض) أو (عقدة النقص).

وذلك ما ينطبق على فؤاد أحمد الركابي تولد العراق الناصرية 1931، الذي تحدثنا فيما سبق، عن كونه (خامس) وليس (أول) من إستلم مسؤولية التنظيم في العراق، ففي إحدى الروايات المدعومة بالحجج والشواهد التاريخية، التي يعتمدها الكاتب طالب الحسن تشير الى أن فؤاد الركابي هو بالأصل ليس عربيا بل (كرديا سنيا) ولا يمت بصلة الى قبيلة بني ركاب سوى باللقب فقط، فضلا عن كونه من ذوي الأهواء الشخصية الخاوية قيميا، والتي لم يتناولها الباحثون بموضوعية نتيجة ما تحمل من أذى وإمتهان، ونهاية مأساوية قدّر له مواجهتها على يد رفاق الأمس.

حيث، وفي صيف عام 1949 زار السيد فائز اسماعيل مدينة الناصرية بصحبة فؤلد الركابي، وإبن خاله عبد الله الركابي، كانت المرة الأولى التي يزور فيها اسماعيل المنطقة بدعوة من فؤاد الركابي، المدينة التي نقل الركابي الحزب اليها في عام 1950، حيث ألف خلية بعثية ضمت كل من : (معاذ عبد الرحيم، عبد الله الركابي، كريم الركابي، عدنان الدهش، حامد سيد علي، ونعيم حميد حداد). وكما يسجّل عليه رفاقه، كما يذكر السيد المؤلف طالب الحسن، (“أن الركابي أقام نوعا من التكتل الحزبي، ولم يتورع عن اتباع الإتصالات الجانبية لخدمة مصالحه الخاصة”)، حيث كان يعيش طموحا جامحا و توقاً شديدا للوصول الى الموقع الأول، وكان له ذلك عندما تمكن من إزاحة مسؤول التنظيم يومذاك فخري ياسين قدوري : (المسؤول الرابع لبعث العراق).

وقد إستمر فؤاد في موقعه أمين سر القيادة القطرية بعد اعادة تشكيل القيادة عام 1953، وفي عام 1954 أنتخب فؤاد الركابي عضوا في أول قيادة قومية لحزب البعث (في الثالثة والعشرين من عمره) ليعود الى العراق معبأً بأفكار ميشيل عفلق، ومتمسكا بمواقفه أكثر من أي وقت مضى. وبعد قيام ثورة 14 تموز 1958 دخل فؤاد الركابي وزيرا للإعمار في أولى وزاراتها بدعم مباشر من عفلق وحزبه، (وكان أصغر وزير في الوزارة التي ترأسها عبد الكريم قاسم)، وفي الجانب الإداري إتسم أداؤه (كوزير) بالقصور والإهمال الوظيفي الذي كلّف ميزانية الدولة العراقية تعويضات جسيمة للشركات الأجنبية نتيجة إصداره أمر ايقافها من العمل في المشاريع الضخمة العائدة لوزارته الى إشعار آخر، أما الجانب السياسي والإعلامي، فقد زج فؤاد الركابي كفاءات حزب البعث في جريدة الجمهورية التي وضع عبد السلام عارف يده عليها بعد ثورة 1958، حيث أسهم فؤاد من خلال عناصر التحرير البعثية في تأجيج الصراع بين رجُلي الثورة، وتوسيع هوة الخلاف بين (عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف)، حينها إستبدله عبد الكريم قاسم بوزير آخر للإعمار وعينه وزير دولة (وزير بلا وزارة) ومن هذه الوزارة استقال مع الوزراء القوميين وبدأ بالتآمر والكيد الذي تمثل في تبنيه وإعداده لعملية محاولة إغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم، وقد كشفت تلك العملية عن معدنه ومعدن حزبه وجاهزيتهما للأعمال الإرهابية والإغتيال السياسي.

كما أسفرت حالة التكتلات التي تشكلت على يد فؤاد الركابي عن سقوط بعث العراق عام 1963 بعد أول تجربة له في الحكم، نتيجة ظاهرة صراع خطيرة بين كتلتي (حازم جواد وطالب شبيب) من جهة، وكتلة (علي صالح السعدي) من جهة أخرى، تطورت هذه الحالة التي مارسها فؤاد الركابي الى صراع دموي عنيف عندما تسلط (البكر وصدام) في تموز عام 1968، ومثلما كان فؤاد الركابي منهمكا في إختيار طريقة ما لتكريم صدام حسين نتيجة إشتراكه في عملية الاغتيال الفاشلة للزعيم قاسم، ليمنحه (شرف العضوية) لصدام على أثر جاهزيته للأعمال الإرهابية، كذلك إختزن صدام في ذاكرته تكريم الركابي له، ليسرف فيما بعد في تكريم عتاة المجرمين بالهبات والعطايا المادية التي يسيل لها لعاب النفوس الضعيفة والضمائر الميتة.

على أي حال، بعد فشل عملية الإغتيال، حاول عفلق التنصل من مسؤولية العملية، محمّلا فؤاد الركابي تبعاتها بإدعائه كذبا، عدم علم القيادة القومية، على الرغم من تعليق عفلق على خطة الإغتيال عندما عُرضت عليه قبل التنفيذ بالقول (” هذه الخطة ثورة وليس إغتيالا”)، مع ذلك أنكر عفلق وإستنكر محاولة الإغتيال حينما لم يُكتب لها النجاح، ليصدر على إثر ذلك الفشل قرارا من عفلق بـ (تجميد فؤاد الركابي وبقية أعضاء القيادة القطرية)، حينها دب الخلاف بين أعضاء القيادة القومية، ليؤول الى القطيعة النهائية بين فؤاد الركابي وحزب البعث عندما حصل (الإنفصال بين سوريا ومصر عام 1961)، حيث أدان الركابي وعبدالله الريماوي وآخرون، موقف البعث المؤيد للإنفصال ليبادروا بتأسيس ما أطلق عليه (البعث الثوري). وإنقسم البعثيون في القاهرة التي كان يتواجد فيها الركابي ما بين مؤيد ومعارض للإنفصال.

وبعد نجاح حزب البعث في انقلاب 8 شباط على حُكم الزعيم عبد الكريم قاسم، لم يستسغ خصوم الركابي وعلى رأسهم (علي صالح السعدي) الذي تسلم زمام الأمور في العراق، قدوم الركابي من القاهرة الى بغداد، ليأمروه بالعودة من حيث أتى على متن ذات الطائرة التي جاء بها من القاهرة الى العراق. وفي 18 تشرين الثاني 1963 تشتت خصوم الركابي وعاد مرة أخرى مُرحّبا به نتيجة (الإتصاات الجانبية) التي إتسمت بها شخصية الركابي، حيث استحوذ الركابي على رضا (عبد السلام عارف و طاهر يحيى وآخرين) ودخل معهم في (تنظيم الإتحاد الإشتراكي العربي)، وفي أول تعديل وزاري بعد انقلاب (تشرين الثاني 1963) أختير فؤاد الركابي وزيرا للشؤون البلدية والقروية، ولم يلبث طويلا حتى استقال، كأحد الوزراء الستة الذين استقالوا تضامنا مع عبد الكريم فرحان عندما اختلف مع عبد السلام عارف. إتجه الركابي، فيما بعد للعمل مع آخرين مدنيين وعسكريين من أجل تشكيل وتزعم (الحركة الإشتراكية العربية) التي قامت بالتعاون مع القيادة المركزية للحزب الشيوعي (جناح عزيز الحاج) وسرعان ما دب الخلاف بين أقطابها ليعود الركابي بعلاقاته القديمة مع علي صالح السعدي.

يصف الكاتب السيد طالب الحسن هذا التخبط والقفز والدوران السياسي الذي رافق مسيرة فؤاد الركابي السياسية ، بالقول (” إن الفردية وحب الذات ونزعة التسلط التي ظهرت على مفردات سلوك الركابي، وتطورت من خلال تربيته التي تلقاها في أوكار حزب البعث، الذي نمىّ فيه، إضافة الى ما تقدم سياسة التمحور والتآمر والتفكير الدائم في الإستحواذ على الموقع الأول في الحزب، وصد الآخرين ومنعهم من التسلل إليه”).

وفي عام 1968 بدأ إثنان من بطانة الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف بالتحرك للإنقلاب على سيدهم، وهما ابراهيم عبد الرحمن الداود (آمر لواء الحرس الجمهوري)، وعبد الرزاق النايف (معاون مدير الاستخبارات العسكرية)، وقد بادر النايف الى الإتصال بفؤاد الركابي للتعاون معهم بإعتباره أحد ركائز (الإتحاد الإشتراكي العربي) في العراق، ورغم موافقة فؤاد الشخصية الا ان رفاقه في التنظيم رفضوا التعاون مع النايف المعروف بميوله الأمريكية، وفشلت محاولات الركابي في إقناع رفاقه بالتعاون مع النايف والدواود كوسيلة مرحلية للتغيير، وبعد أن يئسا (النايف والداود) من تعاون الحركات السياسية ذات الرصيد والحضور الجماهيري في الساحة العراقية، تحركا على حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة (البكر- صدام) ليعلنوا في صبيحة 17 تموز 1968 ثورتهم البيضاء التي سرعان ما إصطبغت باللون الأحمر. حيث لم يسلم منها حتى (حردان عبد الغفار التكريتي) الذي قتل على يد صدام حسين في الكويت عام 1971، رغم أنه الشخص الذي أطل على العراقيين ليقرأ بصوته الأجش البيان الأول للثورة.

لقد قامت (الثورة البيضاء) وإنطلت الخديعة على فؤاد الركابي ودخل في حوار متصل مع أحمد حسن البكر من أجل اعادة العلاقة وخلق تنظيم بعثي تدخل فيه العناصر القديمة، لكن، وبعد سيطرة انقلابيي 17 تموز 1968 على مقاليد الأمور في العراق، وصل حوار الركابي معهم الى طريق مسدود، وفشلت جهوده في الوصول معهم الى مشروع عمل. حينها لجأ فؤاد الركابي الى التعاون مع الحزب الشيوعي الذي كان هو الآخر قد دخل مع (سلطة الانقلاب) في حوارات ولقاءات من أجل اقامة (جبهة وطنية). مع ذلك إستمر الركابي في تعاونه مع الشيوعي الذي تكلل باذاعة البيانات المشتركة التي تتضمن الإشارة الى بعض المآخذ على سلطة الانقلاب (ثورة 17 تموز 1968) وحزبها القائد (بعث البكر وصدام). ولم يدم مثل هذا الأمر طويلا حتى  لفقت لفؤاد الركابي تهمة من قبل السلطة، وهي استيلائه على شيك بمبلغ عشرة آلاف دينار عام 1969، ليقبع على إثرها خلف القضبان، ويلاقي أبشع صنوف التعذيب (كما يشير لذلك المعتقلين السياسيين معه) ، لدرجة إرغامه على دفع عربة لجمع القاذورات من غرف السجناء لإهانته وكسر معنوياته، ومن ثم ليذبح على يد قاتل محترف ، سجين جديد نقل من سجن البصرة، أعده له ناظم كزار (مدير الأمن العام)، ليطعنه في رقبته في سجن بعقوبة 1971، نحو الساعة العاشرة مساءً، نقل على أثرها (فؤاد الركابي) الى مستشفى بعقوبة حيث لم يسمح للأطباء بمعالجته، فبقي ينزف دما حتى فاضت روحه فجر اليوم التالي مذبوحا من الوريد الى الوريد في الأربعين من عمره (كما ينقل صديقه السيد معاذ عبد الرحيم)، الذي يكمل قائلا (” لم تكتف هذه العصابة المجرمة بقتل زعيم من زعماء الحركة القومية بطعنه على يد مجرم عادي، بل راحت تطعن بشرفه بنشر تحقيق كاذب ومختلق”)… وفي هذا الصدد يذكر السيد زيدان خلف النعيمي رفيق الركابي والذي كان مسجونا معه أن الركابي كان عاكفا على كتابة برنامج للحزب الاشتراكي الناصري الموحد.

وقد كانت المكافأة التي حصل عليها المجرم (ع. د) جراء قتله للركابي، أن أطلق سراحه وعيّن موظفا في وزارة الخارجية ليعمل في السفارة العراقية في باكستان، وهو ما ذكره أحد كبار البعثيين في أوائل التسعينات الى زميل الركابي السيد معاذ عبد الرحيم.

في ذلك يقول السيد مؤلف الكتاب الأستاذ طالب الحسن (” إذا مات فؤاد الركابي بطريقة الغدر التي ألفها حزب البعث العراقي منذ أيامه الأولى، فإنه لم يكن أول مغدور في الساحة السياسية العراقية، وقد نصب حزب البعث حبائل غدره للعديد من السياسيين، ووقع الكثير منهم في المصيدة، والتفت حبائلها عليهم بشدة”).

وفي فصل آخر من الكتاب (العاشر تحديدا) يعيد الكاتب التأكيد على أن الإسكندرونيون (نسبة الى لواء الإسكندرونة شمال غرب سوريا)، هم من نقلوا البعث العربي الى بغداد، ويركز السيد طالب الحسن في هذا الصدد بالقول (” الحديث عن حزب البعث العراقي متعلق بالحديث عن لواء الإسكندرونة، لأن الذين بذروا البذرة الأولى كانوا جميعهم من هذا اللواء، وقد انتموا عام 1940 عندما أسسه أستاذهم زكي الأرسوزي الذي ينحدر من اللواء ذاته، لذلك كان مؤرخو البعث يتحاشون ذكر ذلك لأنه يقودهم الى إغفال دور عفلق بالتأسيس، ولم يذكر أي من كتاب سلطة (البكر – صدام) ومؤرخوها بأن (فائز اسماعيل وسليمان العيسى) ثم بعد ذلك (وصفي الغانم ومسعود الغانم) كانوا بعثيين قبل أن يصلوا العراق قبل المؤتمر التأسيسي لحزب البعث في 7 نيسان 1947″).

وحول انتشار الحزب في المدن العراقية انطلاقا من العاصمة بغداد، ففي العامين 1949 و1950، كانت مدينة الرمادي أول مدينة وصلتها فكرة البعث العربي قادمة لها من بغداد عن طريق زكي الخشالي القادم من بغداد، الذي استطاع في إحدى زياراته للمدينة من كسب (يونس المصلح)، طالب في دار المعلمين الإبتدائية، فبالإضافة الى قرب الرمادي الجغرافي من بغداد، أسهم وجود الشاعر عبد الوهاب البياتي فيها بتوسيع دائرة الكسب الحزبي، البياتي الذي لم يمكث طويلا في تنظيم بعث العراق، بل أقصى مدة قضاها فيه لا تتعدى السنتين (كما يذكر السيد الكاتب)، ومن ثم تحتل الناصرية المرتبة الثانية في إحتضانها للبعث، حيث أقحم فؤاد الركابي مدينته بفكر البعث (وكما تطرقنا لذلك سلفا)، وتنافس الناصرية على هذا الموقع مدينة كربلاء المقدسة التي جاءت في المركز الثالث حيث استطاع سعدون حمادي أن يبذر نواة البعث فيها، ومن ثم البصرة رابعا، حيث لعب الطالب (طه علي الرشيد\ السعودي الأصل) دورا في نشر البعث وتشكيل أول خلية بعثية في البصرة أناط قيادتها لشخص يعمل في الإخراج الكمركي يدعى (أنور داود إيليا) عام 1950، وقد تلت البصرة محافظة ديالى، حيث إستثمر السيد معاذ عبد الرحيم (من أبناء مدينة الناصرية) وجوده في دار المعلمين الإبتدائية في بعقوبة (1951-1952) ، ليشكل الخلية الأولى من طلاب الدار، ولم يكن أي من عناصر هذه الخلية من أهالي ديالى وإنما كسبوا للحزب الجديد على ترابها لأنهم كانوا طلابا يدرسون في دار المعلمين. ومن ثم اتجه حزب البعث ليغزو مدينة الحلة فكان له ذلك في عام 1953 بواسطة (تحسين معلة). ومن ثم سامراء عى يد طلبة درسوا في بغداد في طليعتهم (عبد الله سلوم السامرائي)، فالموصل في دار عبد الغفار الصائغ وتحت مسؤولية (أدور قصيرة). وتحتل النجف المرتبة التاسعة في المدن التي استطاع البعث اقتحام أسوارها بواسطة (جعفر قاسم حمودي) موظف في المصرف العقاري.

لم تكن السلطة آنذاك تعير إهتماما كبيرا لحركة البعث في المدن التي مررنا بها ، فقد كانت منصرفة لمقاومة وشل حركة أحزاب أخرى لها وزنها في الساحة العراقية، وقد كانت تشعر تجاه البعث بأنه حركة عديمة الوزن أو الثقل، ووفقا لهذا التصور إستطاع بعث العراق بسرعة في مدن عديدة لم تكن مدينة العمارة آخرها عندما بدأ مؤيد السامرائي الذي كان معلما فيها، بتأسيس النواة الأولى من خلال كسب معلم زميل له جبار صنكور في عام 1954، لتنطلق حركة البعث فيما بعد للتسلل الى أهوار العراق.

بالإضافة الى ماتم ذكره في سلسلة هذه القراءة، فقد تضمن الكتاب ملاحق من الوثائق التاريخية والصور ما يمكن لها أن تدعم جميع ما جاء في فصول الكتاب من أحداث رواها أو أفكار تبناها السيد المؤلف طالب الحسن.

لقد إستطاع السيد المؤلف طالب الحسن إستنطاق مضامين العنوان، حيث “البداية المريبة” على الصعيد القومي، التي شهدت سطوا سياسيا وثقافيا من قبل ميشيل عفلق وصلاح البيطار على حصيلة زكي الأرسوزي الفكرية التي إستطاع تأطيرها في آيديولوجيا قومية كان الباعث على ولادتها في ذهن مبتكرها (الأرسوزي) هو السعي لتحرير مدينته (لواء الإسكندرون) من الإحتلال الفرنسي ومجابهة دعاة التتريك، ليتم توظيفها من قبل عفلق والبيطار كأداة لإجهاض الشعور القومي الحقيقي المناوئ للإحتلال الفرنسي والتتريك الذي طال اللواء الأم، وكذلك إستخدامها وسيلة للهيمنة على السلطة بالتعاون مع مخابرات الإستعمار الفرنسي. أما على الصعيد القطري فقد استطاع الكاتب توضيح الأمور وتصحيح التصورات الخاطئة وإزالة اللغط الذي يثار من قبل مؤرخي نشأة البعث حول هوية المسؤول الأول لبعث العراق، حيث أثبت الكاتب بالأدلة والبراهين من أن فائز اسماعيل (الإسكندروني الأصل وأحد طلبة الأرسوزي) كان هو المسؤول الأول وليس كما هو شائعا في الأذهان بأن فؤاد الركابي كان له قصب السبق في ذلك المضمار.

وقد تناول السيد المؤلف ملامح وسمات المحيط الذي نشأ فيه بعث عفلق والبيطار وأجواء الكراهية السائدة والأنا المتضخمة العمياء التي
إمتدت لتلقي بظلالها على بعث العراق من فؤاد الركابي الى صدام حسين، وما رافق ذلك من صراعات ومؤامرات تدرجت لتنتهي الى مجازر دموية طالت الشعب العراقي بعد تصفية رفاق العقيدة لبعضهم البعض. حيث عقيدة البعث التي أنشئت لتحرير لواء الأسكندرونة إنطلاقا من العراق، تحولت الى تكريس التتريك للواء السليب، وإنتهت بالعراق محتلا في “نهاية غريبة”، لبعث العراق لم تكن في الحسبان.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سهير القيسي ابنة العوجه

 عباس العزاوي