الموصل حررها أبناء الطين

سليم الحسني

عندما كانت القوات العراقية تخوض معارك تحرير الجانب الأيمن من الموصل، وعندما وصلت قوات الحشد الشعبي الى الحدود السورية، صار المستقبل واضحاً، فالنصر في العراق سيتحقق ويلحق هزيمته المذلة بتنظيم داعش.

عند هذه النقطة أدرك محور الشرّ (السعودية وقطر وتركيا) أن مهمته فشلت، وأدركت الولايات المتحدة وإسرائيل أن المشروع الرهيب قد قتلته بطولات المقاتل العراقي، فتفكك محور الشرّ على العداء وأزمة حادة بين قطر وتركيا من جهة والسعودية ومن معها من جهة مقابلة.

فحين يفشل مشروع دولي كبير، فإن أولى نتائجه، اختلافات حادة بين أطرافه، هكذا يحدثنا التاريخ في الكثير من تجاربه.
….
كانت مهمة محور الشرّ، تنحصر في إيجاد حاجز إقليمي بين العراق وسوريا، يأكل من أراضي الدولتين، فتنشأ عليه دولة جديدة، تتولى ضرب الشيعة وإضعافهم في العراق، وبذلك تصبح إيران مهددة ويصبح حزب الله في لبنان معزولاً، ويقع الشيعة في العراق في شباك الموت المتزايد.

لكن الأمر تغير على الواقع، انعكس الاتجاه بشكل متسارع، فقد جاءت فتوى الجهاد الكفائي للمرجعية العليا، لينطلق أبناء الشيعة من البيوت الصغيرة، من الأحياء الفقيرة، من القرى النائية والمناطق البعيدة، يتجمعون في الحشد الشعبي. شباب يركضون نحو خطوط المواجهة، لا يخيفهم الموت، لا يؤثر فيهم البرد ولا الحر ولا الجوع ولا العطش.. عضّوا على همومهم، تجاوزوا مشاكلهم اليومية، وقد كان الكثير منهم يترك وراءه عائلة تبحث عن لقمة العيش.. وقد كان الكثير منهم يستدين أجرة سيارة النقل ليصل الى خطوط القتال، إنه الواجب الشرعي والوطني الذي أرادوا تلبيته. فهؤلاء السمر من ذوي البطون الخاوية، ورثوا من أجدادهم التضحية تلبية لفتاوى الجهاد في الدفاع عن العراق ضد الاحتلال البريطاني في الحرب العالمية الأولى، وأسسوا الدولة العراقية في ثورة العشرين، وورثوا من آبائهم واخوانهم شجاعة الانتفاضة بوجه أعتى الطغاة في انتفاضة شعبان ١٩٩١.

نجحت المهمة، فقد تحررت الموصل ببطولات وتضحيات المقاتل العراقي من كل الصنوف، كان يتكامل بعضهم مع بعضهم، من الحشد الشعبي والجيش والشرطة، والتحق بهم عراقيون من خارج الدائرة الطائفية، فكان معهم السني والمسيحي والإيزدي والصابئي.

عادت الموصل حرة من إرهاب الداعش، وتحول مشروع قطر وتركيا والسعودية وأميركا وإسرائيل الى ركام من رماد يتناثر من الموصل الى الحدود العراقية السورية.

وحين انتهت المعركة التاريخية، تفاجأ العالم بأن مدينة الموصل الحدباء، تحولت الى غابة من المنارات الشامخة، فكل مقاتل كان لوحده منارة، وكانت أعلاها وأكثرها عدداً هي للشهداء الأبطال والجرحى.

تحررت الموصل، وفشل مشروع الشرّ.. لا خوف على هذه الأرض من أعدائها، لكن الخوف عليها من فئات سياسية ستنشط بدءً من اليوم، إنهم آفة العراق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من زهراء بائعة البخور …. لزهراء بصندوق حلوى تدور

محمد علي مزهر شعبان